كورة سيتي – في صيف عام 2017، وطأت أقدام النجم المصري أرض ملعب أنفيلد، بعدما حسم نادي ليفربول تعاقده معه مقابل 36.9 مليون جنيه إسترليني. في ذلك الوقت، لم يكن الجناح السريع يمتلك سوى تجربة غير مكتملة الملامح مع نادي تشيلسي الإنجليزي، مما جعل الصحافة البريطانية تتعامل مع الصفقة بنوع من الحذر والتحفظ، بينما لم يكن أشد المتفائلين من جماهير الريدز يتوقع أن هذا الشاب الهادئ سيعيد كتابة التاريخ ليصبح ثالث الهدافين التاريخيين للنادي الإنجليزي العريق.
من نجريج إلى القاهرة: رحلة المعاناة والتمسك بالحلم
خلف الأضواء الباهرة والنجاحات الأسطورية التي يعيشها النجم المصري اليوم، تكمن قصة إنسانية ملهمة بدأت تفاصيلها في قرية نجريج. هناك، كان الطفل الصغير يقضي ساعات طوال يومياً يتنقل فيها بين محافظة الغربية والعاصمة القاهرة من أجل اللحاق بالتدريبات. كانت رحلة شاقة للغاية استمرت لسنوات، وتجاوزت في كثير من الأحيان تسع ساعات كاملة يومياً في الذهاب والعودة، وسط ترقب صامت من أسرته التي كانت تشاهد شغفه الكبير ينمو بسرعة تفوق عمره.
في تلك المرحلة الصعبة، كانت والدته تخشى عليه من الإرهاق البدني الشديد، بينما كان والده يتساءل في داخله إن كانت كرة القدم تستحق كل هذه التضحيات والعناء، لكن الفتى الصغير ظل متمسكاً بحلم غامض لا يملك تفسيراً له، ليقوده هذا الإصرار لاحقاً نحو القارة العجوز.
محطة لندن القاسية والعبور نحو المجد عبر إيطاليا
لم تكن بداية الرحلة الأوروبية مفروشة بالورود؛ ففي لندن، عاش النجم المصري واحدة من أصعب فترات مسيرته الكروية بقميص نادي تشيلسي، حيث لازم مقاعد البدلاء لفترات طويلة، بعيداً عن المشاركة الأساسية والثقة. ورغم أن هذه المرحلة كادت تعصف بأحلامه مبكراً، إلا أنها تحولت إلى نقطة التحول الأبرز في بناء شخصيته القوية.
قرر اللاعب الرحيل إلى الدوري الإيطالي، حيث أعاد اكتشاف نفسه وتألق بشكل لافت مع نادي فيورنتينا، ثم واصل الإبداع مع نادي روما، قبل أن يقرر العودة إلى الدوري الإنجليزي الممتاز من البوابة الكبرى لنادي ليفربول، وكأنه يعود لتصحيح مسار التاريخ وإثبات ذاته في أقوى دوريات العالم.
الانفجار التاريخي في أنفيلد وليلة كييف الحزينة
منذ موسمه الأول مع الريدز، أدرك الجميع أن هناك حدثاً استثنائياً يلوح في الأفق؛ حيث نجح في تسجيل 44 هدفاً في مختلف المسابقات، منها 32 هدفاً في الدوري الإنجليزي الممتاز، وهو الرقم القياسي الأعلى في تاريخ البطولة بموسم مكون من 38 مباراة في ذلك الوقت. ولكن الجانب الإنساني الأعمق في مسيرة النجم المصري لم يظهر في لحظات التتويج، بل تجلى بوضوح في لحظة الانكسار.
في نهائي دوري أبطال أوروبا عام 2018 بمدينة كييف، سقط اللاعب أرضاً ممسكاً بكتفه إثر تدخل قوي من المدافع الإسباني سيرجيو راموس، ليغادر أرضية الملعب والدموع تنهمر من عينيه، في مشهد أبكى ملايين العرب الذين شعروا بأن أحلامهم تبخرت في تلك الليلة القاسية.
من منصات التتويج إلى الرقصة الأخيرة
لكن البطل لا يسقط مرتين؛ فبعد عام واحد فقط من خيبة كييف، عاد النجم المصري ليقود فريقه إلى نهائي دوري أبطال أوروبا مجدداً، ويسجل في شباك نادي توتنام هوتسبير، مهدياً ليفربول لقبه الأوروبي السادس. ولم تتوقف النجاحات عند هذا الحد، بل ساهم في كسر العقدة التاريخية والتتويج بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز بعد غياب دام 30 عاماً عن خزائن النادي.
طوال تسع سنوات قضاها داخل جدران أنفيلد، لم يكن مجرد هداف بارع؛ بل قدم نموذجاً فريداً للنجم المتواضع الذي يفضل العودة بعد المباريات الصاخبة إلى دفء أسرته الصغيرة المكونة من زوجته ماجي وابنتيه مكة وكيان، بعيداً عن صخب الإعلام والجدل، محافظاً على جذوره البسيطة التي نشأ عليها.
اليوم، وبعد أن سجل 255 هدفاً وصنع 119 هدفاً آخرين خلال 435 مباراة خاضها بقميص الريدز، تتهيأ الجماهير في مدرجات أنفيلد لوداع أسطورتهم فيما يُعرف بـ “الرقصة الأخيرة”. إنها ليست مجرد نهاية مشوار لاعب مع ناديه، بل هي نهاية فصل تاريخي مهيب بدأ بطفل ينام في حافلات السفر بين المحافظات المصرية، وانتهى بأسطورة تهتف باسمها مدينة ليفربول كاملة.