كورة سيتي – يمتلك نادي النصر فلسفة وجودية فريدة من نوعها في عالم كرة القدم، فلسفة لا تشبه أي فريق آخر؛ فحينما يتعرض هذا الكيان العاصمي الكبير للانكسار أو الهزيمة، فإنه لا يعود لمحبيه بتعويض عادي أو انتصار عابر، بل يختار دائماً أن يكون العوض مدوياً وبطولة استثنائية تسكن الذاكرة والوجدان. هذه الثقافة تجسدت تاريخياً في الأغنية الخالدة للفنان الراحل فهد بن سعيد عام 1980، عندما غنى وسط حضور 3 آلاف نصراوي في صالة مغلقة محتفلاً بالثنائية: “عوض بعد ما خسر”، لتصبح هذه الكلمات بمثابة الدستور غير المكتوب لعلاقة النصر مع تقلبات الزمن.
خماسية الاتحاد ولقاح الدوري التاريخي عام 1980
في عام 1980، تلقى نادي النصر صدمة قوية في مستهل مشواره بالدوري بخسارة قاسية أمام الاتحاد بخماسية نظيفة. عقب المباراة، توجه صحافي اتحادي شهير إلى رئيس النصر الراحل الأمير عبد الرحمن بن سعود يسأله عن أسباب الهزيمة. لم يتردد “أبو خالد” في إرسال رسالة تاريخية قائلاً: “هذه الخسارة هي لقاح الحصول على بطولة الدوري”. ورغم سخرية الصحافي حينها، رد رئيس النصر بثقة: “من يضحك أخيراً يضحك كثيراً”. وبالفعل، انتفض الأصفر وقدم كرة هجومية كاسحة توجته بلقب الدوري الصعب، وأتبعها بلقب الكأس في موسم تعويضي تاريخي لا يتكرر.
بطولات الدوري في نادي النصر.. قرارات تصنع المجد
يكشف التاريخ أن فوز نادي النصر ببطولات الدوري لا يأتي بمحض الصدفة، بل يكون دائماً نتاج قرار صارم ومحدد. في عام 1988، وبعد غياب دام قرابة عشر سنوات عن اللقب، اقترح الدكتور جمال الشرقاوي -الذي كان يحظى بموثوقية كبيرة لدى الأمير عبد الرحمن بن سعود- التعاقد مع المدرب البرازيلي المغمور جويل سانتا. ورغم اعتراض “أبو خالد” في البداية بسبب ضعف التنافسية في الدوري الإماراتي الذي حققه سانتا سابقاً مع الوصل، إلا أنه وافق تحت الضغط، ليقود سانتا الفريق لتحقيق دوري استثنائي في الموسم التالي.
وفي عام 1993، مر نادي النصر بأزمة كروية خانقة؛ حيث غاب ماجد بسبب الإصابة، وعوقب الهريفي انضباطياً، ليعيش الفريق مرحلة انتقالية متعثرة. وفي اجتماع شرفي صاخب بمنزل الأمير منصور بن سعود، اتخذ القرار بإعادة الأصفر لمنصة التتويج. تم التعاقد مع المدرب الفرنسي فرنانديز وثلاثة أجانب مميزين يتقدمهم قائد ألبانيا حسين إزميجاني، لينتهي الموسم بتحقيق لقب الدوري، وفي العام الذي تلاه عاد ماجد لعنفوانه ليحقق النصر دورياً جديداً مليئاً بالأهداف والأفراح.
العودة بعد غياب 19 عاماً وحقبة سعود آل سويلم
عاش جمهور نادي النصر فترة قاسية امتدت لـ 19 عاماً من الغياب عن لقب الدوري، حتى تسلل اليأس إلى النفوس. لكن الأمير فيصل بن تركي تولى القيادة واضعاً الدوري هدفاً أساسياً. حاول التعاقد مع الأوروجوياني خورخي داسيلفا الذي اعتذر لارتباطه بفريق بينيارول، لكنه رشح مواطنه دانيال كارينيو. ورغم خسارة كارينيو لكأس ولي العهد أمام الهلال عام 2012، إلا أن الأمير فيصل بن تركي أكد في اتصال هاتفي أن الاتفاق مع المدرب واضح: “نريد الفوز بالدوري وسنحققه”، وهو ما حدث بالفعل بعد أن كسر النصر الحواجز الصلبة وتوج باللقب.
وتكرر المشهد ذاته في عام 2019 مع الرئيس الشاب سعود آل سويلم، الذي أراد بناء فريق مرعب من ألمع النجوم الأجانب. تفاوض آل سويلم مع البرتغالي جارديم في الرياض، وسأله بعد مباراة الوحدة في الملز سؤالاً واحداً: “هل تستطيع تحقيق الدوري بهذا الفريق؟”، وعندما أجاب جارديم بالرفض، انتهت العلاقة فوراً. بحث النصراويون عن بديل واستقروا على البرتغالي روي فيتوريا الذي قبل التحدي ونجح في انتزاع اللقب كأول برتغالي يحقق دوري المحترفين السعودي، تنفيذاً لقرار آل سويلم الصارم.
حقبة رونالدو وجيسوس.. دموع الفرح وعزف الطبول
مع دخول نادي النصر حقبة الأسطورة البرتغالية كريستيانو رونالدو، تطلعت الجماهير لبطولة محلية كبرى توج بها “الدون” مسيرته. اتخذ الإداريون البرتغاليون قراراً حاسماً بتحقيق الدوري، واستقروا على التعاقد مع المدرب الخبير جورجي جيسوس، الذي أعلنها منذ اليوم الأول: “جئت للنصر من أجل الفوز بالدوري فقط”. وفي نهاية المطاف، نجح جيسوس في تحقيق الهدف المنشود.
ومع إطلاق صافرة النهاية، انهمرت دموع الأسطورة كريستيانو رونالدو فرحاً على مقاعد البدلاء بعد استبداله لأسباب فنية، وهي دموع طافت العالم وتصدرت وسائل الإعلام والسوشال ميديا، وكأن روحه تغني داخلياً برائعة عبد الحليم حافظ “أي دمعة حزن لا لا لا”، بينما ترد الجماهير بكلمات نزار قباني “تلك الدموع الهاميات أحبها”. واكتمل المشهد الاحتفالي الصاخب عندما أمسك رونالدو بالطبلة العملاقة ليقرع عليها وسط ذهول العالم، مختصراً حكاية النصر النضالية.
لقد فاز نادي النصر وعوض جماهيره بعد أن خسر نهائي آسيا 2، وتعادل تعادلاً صادماً أمام الهلال، ليثبت مجدداً أنه الكيان الذي يجمع المتناقضات، ويعود دائماً من بعيد ليعزف سيمفونية “عوض بعد ما خسر”.