قصة النشيد الوطني في كأس العالم: من مجاملة دبلوماسية إلى سلاح نفسي وقانون صارم

قصة النشيد الوطني في كأس العالم: من مجاملة دبلوماسية إلى سلاح نفسي وقانون صارم

كورة سيتي – يمثل عزف النشيد الوطني في كأس العالم أحد أكثر المشاهد مهابة وإثارة للمشاعر في عالم كرة القدم، حيث يصطف اللاعبون بكبرياء واضعين أيديهم على صدورهم، بينما تهتز المدرجات بأصوات الجماهير التي تردد كلمات أناشيدها الوطنية. ولكن، هل كنت تعلم أن هذا الطقس المهيب لم يبدأ كقانون رياضي ملزم، بل مر برحلة تاريخية طويلة ومليئة بالتحديات والأزمات السياسية؟

البداية من أوروجواي 1930: تقليد مستوحى من الأولمبياد

في النسخة الأولى من بطولة كأس العالم التي احتضنتها الأوروجواي عام 1930، لم تكن اللوائح المكتوبة تتضمن أي نص يجبر المنتخبات على عزف أناشيدها الوطنية. ومع ذلك، شهدت هذه البطولة الولادة الفعلية لهذا التقليد العريق.

إقرأ أيضاً.. الهلال يرفع حالة الطوارئ قبل “موقعة الحسم” ضد الفيحاء.. سيناريوهات التتويج بلقب دوري روشن

استعارت اللجان المنظمة آنذاك البروتوكول المعمول به في دورات الألعاب الأولمبية، وتحديداً أولمبياد باريس 1924. وكان العرف السائد يقتضي بأن تحضر المنتخبات الزائرة معها “النوتة الموسيقية” الخاصة بنشيدها الوطني، لتقوم فرقة عسكرية تابعة للبلد المضيف بعزفها قبل انطلاق المباريات كنوع من الترحيب والتقدير الدبلوماسي، دون وجود أي إلزام قانوني أو عقوبات في حال عدم العزف.

مرحلة الترسيم القانوني في مونديال البرازيل 1950

بعد توقف قسري للمونديال استمر لمدة 12 عاماً بسبب دمار الحرب العالمية الثانية، عادت الحياة إلى ملاعب كرة القدم في مونديال البرازيل عام 1950. وفي هذه النسخة، سعى الاتحاد الدولي لكرة القدم “FIFA” إلى توجيه رسالة سلام وتآخٍ بين شعوب العالم، وإعادة صياغة الهوية الوطنية للمنتخبات بشكل أكثر تنظيماً.

من هنا، دخل عزف النشيد الوطني في كأس العالم مرحلة الترسيم القانوني المكتوب. وللمرة الأولى، تم إدراج بروتوكول عزف الأناشيد كبند إجباري ضمن لوائح “فيفا” التنظيمية للمباريات. وأصبحت اللجان المنظمة ملزمة بتوفير الأناشيد وبثها بدقة قبل انطلاق أي مواجهة، ليتحول الأمر من مجرد مبادرة ترحيبية اختيارية إلى واجب تنظيمي صارم لا يمكن تجاوزه.

أزمة مونديال 1966: عندما فرضت السياسة كلمتها على الأناشيد

على الرغم من أن الأناشيد الوطنية وجدت لنشر السلام، إلا أنها تسببت في بعض الأحيان بأزمات سياسية حادة، وكان أبرزها ما حدث في مونديال إنجلترا عام 1966 عقب تأهل منتخب كوريا الشمالية للمشاركة في البطولة.

وضعت هذه المشاركة وزارة الخارجية البريطانية في مأزق حرج للغاية، إذ لم تكن بريطانيا تعترف دبلوماسياً بجمهورية كوريا الشمالية في ذلك الوقت، ورفضت السلطات البريطانية تماماً فكرة رفع علمها أو عزف نشيدها الوطني على أراضيها. وأمام تمسك الاتحاد الدولي لكرة القدم “FIFA” بضرورة معاملة جميع المنتخبات بالتساوي دون تمييز، خاض الطرفان مفاوضات معقدة للغاية.

أسفرت هذه المفاوضات عن تسوية غريبة وغير مسبوقة، تمثلت في منع عزف الأناشيد الوطنية في جميع مباريات البطولة بالكامل، باستثناء المباراتين الافتتاحية والنهائية فقط! وبهذه الحيلة، نجحت بريطانيا في تجنب عزف النشيد الوطني لكوريا الشمالية، في واقعة فريدة أثبتت كيف يمكن للسياسة أن تفرض شروطها على الرياضة والموسيقى.

قانون الـ 90 ثانية: كيف ينظم الفيفا عزف الأناشيد اليوم؟

مع تطور البطولة ومرور السنوات، طرأت تعديلات دقيقة على لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم. وحدد “فيفا” وقتاً صارماً لعزف النشيد الوطني بحيث لا يتجاوز 90 ثانية لكل منتخب، وذلك لتفادي أي تأخير في البث التلفزيوني وانطلاق المباريات، وحفاظاً على تركيز وحماس اللاعبين قبل صافرة البداية.

اليوم، لم يعد النشيد الوطني في كأس العالم مجرد نغمات موسيقية تعلن بدء اللقاء، بل تحول إلى سلاح نفسي قوي يشحن معنويات اللاعبين، وبطاقة تعريف ثقافية للمنتخبات أمام مليارات المشاهدين خلف الشاشات، لتظل تلك الدقيقة والنصف التي تسبق المباراة اللحظة الأكثر توحداً للأوطان خلف راية كرة القدم.

مقالات ذات صلة